تغيير الدين أو الموت.. التطهير العرقي للمسلمين في جمهورية إفريقيا الوسطى

خميس, 08/20/2015 - 20:47

وسط تجاهل تام من وسائل الإعلام، تجبر ميليشيا “أنتي بالاكا” المسلمين في جمهورية إفريقيا الوسطى على العبادة سرًا أو تغيير دينهم تحت تهديد السلاح.

يكون للمسلمين أهمية إخبارية فقط عندما يكونون خلف السلاح، وليس أمامه؛ فالصحافة الحديثة تؤكد استمرار هذا الأساس فيما يتعلق بالأزمات الداخلية، وربما حتى أكثر من ذلك، في الكوارث الدولية لحقوق الإنسان.

الاستهداف المنظم للمسلمين في جمهورية إفريقيا الوسطى، تلك الدولة التي مزقتها الصراعات منذ شهر مارس عام 2013، أدى إلى حملة تطهير عرقي واسعة النطاق. ومع ذلك، عدد قليل من خارج تلك الدولة الإفريقية ومجتمع حقوق الإنسان على علم بالحد الأدنى من هذه الأزمة الإنسانية.

في الأسابيع القليلة الماضية، تجوّلت الميليشيات المسلحة في الجزء الغربي من البلاد لترويع ونزع الإنسانية عن المسلمين. ضمن هذه الميليشيات هناك ميليشيا أنتي بالاكا، وهي جماعة متطرفة تتألف من الوثنيين والمسيحيين، تجبر المسلمين على العبادة في السر، وخلع الزي الديني؛ بل وتغيير دينهم تحت تهديد السلاح. 

تهديد الحماس الديني

في حين أنّ مصطلح الأصولية يبدو حكرًا على الجماعات الإسلامية؛ إلّا أنّ الميليشيات المسيحية في جمهورية إفريقيا الوسطى تهدد الحماس الديني من ناحية، وتطلق طلقات رصاص لا نهاية لها لإرهاب 150 ألف مسلم، يشكّلون 15% من سكان البلاد.

هدف ميليشيا أنتي بالاكا واضح بقدر ما هو مرعب: تخليص الدولة من سكّانها المسلمين، وبأي ثمن.

في حين أنّ تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق والشام لا يزال يتصدر عناوين الصحف، لكنّ مجرد ذكر الإرهاب ضد المسلمين في جمهورية إفريقيا الوسطى -الذي أودى بحياة 6 آلاف شخص على الأقل، ودفع 30 ألفًا من المسلمين إلى العيش في مخيمات الأمم المتحدة، وتدمير عشرات المساجد- لا زال يشكّل خطرًا مجهولًا حتى الآن.

وهذا لن يكون الحال إذا كان المسلمون الأشرار هم مَن يرتكبون مثل هذه الفظائع ضد حقوق الإنسان في جمهورية إفريقيا الوسطى، وليسوا الضحايا.

لقد تجاهلت وسائل الإعلام المعاناة الإنسانية للضحايا السود، لاسيما في القارة الإفريقية. ويبرز هذا بوضوح في الإبادة الجماعية في رواندا وبوروندي في تسعينيات القرن المنصرم، والتي لفتت انتباه الجماهير في وقت متأخر، ولم تحظ بتعاطف دولي إلّا بعد عقد من الزمن بعد عرض الفيلم الشهير “فندق رواندا”.

الضحية السوداء

في الذاكرة الحديثة، تركزت قصص الضحية السوداء التي تم تغطيتها بشكل فعّال من قِبل وسائل الإعلام على الأبطال البيض (مثل جوزيف كوني جنون) أو الأوغاد الإسلاميين (اختطاف بوكو حرام لتلاميذ المدارس في نيجيريا) أو كليهما، كما كان الحال في السودان، الذي وصف المشاهير والمنظمات الأمريكية بالمتدخّلين الذين أنقذوا “المسيحيين السود في الجنوب” من “العرب المسلمين في الشمال“.

وبالمثل، فإنّ وسائل الإعلام سريعة في الانجذاب نحو الأشرار المسلمين، ولكنها بطيئة باستمرار -أو غائبة تمامًا- عندما يكون الضحايا من المسلمين.

ويتضح ذلك في تصدر تنظيم داعش الدائم لعناوين الصحف العالمية، إلى جانب عدم توضيح حقيقة أن أكبر ضحاياه هم المسلمون أنفسهم. وللأسف، فإنّ الضحايا في جمهورية إفريقيا الوسطى مسلمون وسود أيضًا، وبالتالي، يحتلون تقاطعًا ضعيفًا للغاية؛ حيث ترتبط أبعاد هويتهم بالجريمة بدلًا من الضحية.

عالقون بين العداء ضد السود والخوف من الإسلام الذي في كثير من الأحيان يحرك التغطية الإعلامية؛ فإنّ محنة المسلمين في جمهورية إفريقيا الوسطى ناتجة من الاعتقاد بأنّ الهيئات الإسلامية السوداء عاجزة عن أن تكون هي الضحية.

جمع الوعي العالمي

التغطية الإعلامية، وخاصة في وسائل الإعلام البارزة، تعني أكثر من مجرد إبراز ونشر القصة.

فيما يتعلق بأي أزمة دولية، مثل الأحداث في جمهورية إفريقيا الوسطى، تعني تغطية وسائل توليد الوعي العالمي الذي من شأنه أن يحفز الحشد السياسي، وجمع الأموال، والضغط على الحكومات للتحرك.

وهذا صحيح، خاصة مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، التي عندما يُنظر إليها باعتبارها وسائل متميزة ومنفصلة عن وسائل الإعلام التقليدية عادة ما تنشط من خلال العناوين الواردة في هذا الأخير.

قد تصف وسائل الإعلام نفسها بالموضوعية، ولكنها من الناحية العملية هي الجهات الفاعلة الرئيسة في الأزمات الحالية. لذلك؛ فإنّ تدخل وسائل الإعلام القوية والنشطة من شأنه التحقيق في أفعال الجناة وعمليات الإنقاذ الإنساني الفورية، في حين أنّ الإهمال يسهّل؛ بل ويعزز أهداف الإرهابيين. يبيّن الوضع في جمهورية إفريقيا الوسطى هذا الأخير.

لقد استفادت ميليشيات أنتي بالاكا من عدم وجود أي تغطية إعلامية لما يحدث هناك. وقد نمت أعدادها، وأخذ العنف في الازدياد أكثر من أي وقت مضى. وبالإضافة إلى إجبار المسلمين على تغيير دينهم وتدمير المساجد؛ فإنّ هناك العديد من التقارير التي تشير إلى أنّ المسلمين يدفعون لمقاتلي أنتي بالاكا مبالغ كبيرة من الأموال لإنقاذ حياتهم.

الاهتمام الإعلامي ينقذ الأرواح

كثف مسلحو أنتي بالاكا من عمليات القتل وإجبار المسلمين على تغيير الدين خلال شهر رمضان المبارك الماضي، وهذا كان أمرًا خطيرًا، بل وقاتلًا، على المسلمين في جمهورية إفريقيا الوسطى الذين يصومون ويصلون علنًا في هذا الشهر الفضيل.

لقد توافدت الكاميرات والمراسلون إلى رواندا بعد فوات الأوان. وعندما وصلوا، وجدوا أنّ الإبادة الجماعية قد حققت كل أهدافها. ومنذ ذلك الحين، جادل عشرات الباحثين المدافعين عن حقوق الإنسان، ورجال ونساء الدولة أنّ اهتمام وسائل الإعلام في الوقت المناسب كان من الممكن أن يكون السبب في الضغط اللازم لتحفيز تدخل إنساني أكثر شمولًا. وكان يمكن حينها إنقاذ الآلاف والآلاف من الأرواح، والأجيال القادمة من شعوب التوتسي. 

وكما سلطنا الضوء على ما يحدث في جمهورية إفريقيا الوسطى، لم يتم الانتباه والتعلم من دروس رواندا، وتعريض السكان المسلمين للعنف والخطر الذي لا يوصف وتسليح ميليشياتها ضد المسلمين ومنحهم الضوء الأخضر لمواصلة موجة القتل. ولكن ما دام أنّ المسلمين أمام البندقية ولا يهددون بها؛ سيستمر تهميش هذه القصة في عناوين الأخبار.

وكالات