ولد صلاحي: الثابت والمتحول بين صورتين...

ثلاثاء, 10/18/2016 - 16:35

الزمان: مشارف القرن الجاري، الحدث: حملة من تلك الحملات الوهمية التي دأبت عليها حكومات المنكب المتعاقبة.

العنوان هذه المرة: الانترنت والتقنيات الجديدة.

السياق: المصفقون المسبحون بحمد النظام؛ يوحون إلى رأس النظام أن الوطن بخير، وأن بنيه جميعا يرفلون في الدمقس والحرير.

الصحافيون والفنانون وضاربات الرمل وشيوخ القبائل ورجال المال وصواحب الرايات الحمر ينبثون أمام موكب الحاكم أينما يممت ركابه، ينشدون الشعر ويدبجون الخطب العصماء، ويشترون المغلوبين على أمورهم بدراريع من "الشقة الخضراء" وآلاف خضر، وبعض المؤونة..

وهو النفاق والتملق.. طبع متأصل في غالبية أبناء هذا المنكب.

وصل التضليل الذي مورس على حاكم المنكب حدا؛ قطع الخيط الرفيع لديه ما بين العقل والسذاجة، حتى سأل عجوزا ذات نسب عريق في التهميش والظلم والاستعباد والأمية، من ساكنة كنكوصة، هل وضعتم مزروعاتكم على الانترنت.

أجابت المسكينة التي كانت تستعرض مزروعاتها من قمح وشعير وخضار؛ بعفوية حادة:

ـ لا.. تلك سنزرعها العام القادم.

في هذا السياق كان المهندس الحسني حديث التخرج عملة صعبة.. ركب في القصر الرئاسي تلك الأعجوبة.. وسط تهليل الحاكم وإعجابه بصندوق المعلومات الجديد.

تتحدث صورة التقطت لرأس النظام حينها، وهو يقف خلف المهندس مشدوها إلى ذلك الصندوق عن أهمية دور الشاب أيامها.

لم يكن حاكم المنكب أيامها غبيا تماما، وإلا لما فكر هكذا، ولكنه وقع للأسف ضحية لعملية غسيل دماغ ممنهجة؛ قادتها بطانة السوء التي أمسكت بتلابيبه، لتكتمل عملية حرق المراحل الذهنية، وهو في كل الأحوال مسؤول عن الانفصام ما بين واقع شعبه والخيال الذي صوره له الكذابون والمتملقون.

ولد صلاحي، بدراعته الزرقاء من خنط "الخميني" الغالي، كان شابا تقترب سنوه من حاجز الثلاثين، لمته سوداء.. عيناه تتحدثان عن مستقبل وضاء..

الحاكم المعروف عنه اهتمامه بهندامه، والذي يصبغ على الأرجح شعره ينحني.. ويساءل الرجل عن العلم الجديد.

التقطت الصورة في مدينة تجكجه في يوليو 2001.

في الحادي عشر سبتمبر 2001؛ دخل العالم مرحلة جديدة: لقد هد طيارو القاعدة برجي مركز التجارة العالمي في ضاحية مانهاتن المتخمة دولارات ورفاهية في الميناء الجديدة (نيو يورك) على الساحل الشرقي لبلاد العم سام.

كان الشاب ولد صلاحي، أصيل قرية تندغمادك، ذات الشذى العلمي الطيب، والمرتبطة بمحضرة المرابط أحمدو ولد محمذن فال؛ يستمع كالآخرين تماما إلى الخبر.

غير أن فوبيا بوش، التي تحولت إلى لعنة صبت على العالم؛ في محاولة مترنحة من الفيل الذي أهين في صميم الصميم، من طرف محمد عطا وزملائه لاستعادة بعض ماء الوجه، تكفلت بتعكير حياة الشاب.

قالت الاستخبارات الأمريكية إن صلاحي هو رفيق لرسام الجزائري المشتبه في أعمال إرهابية.

ذنب ولد صلاحي أنه صلى يوما في مسجد ارتاده رسام في كندا.

ومتى كانت الصلاة ذنبا؟

بعد شهرين ونصف، حطت بمطار نواكشوط طائرة تحمل عناصر أمن أمريكية، المطلوب هو رأس المهندس الذي أدخل التقنية الجديدة القصر الداكن في نواكشوط.

لم يتوان حكام نواكشوط عن تقديم ابن البلد على طبق من خزي للبوش الصغير.

كانت إمارة طالبان في بلاد الأفغان قد سويت بالأرض تماما.. وفلول القاعدة تطارد أينما توجهت في تلك المنطقة..

وكانت دماء العرب، مهما يكونون، ورؤوسهم أرخص من شربة ماء بارد.

كان يقر بعيني نظام نواكشوط أن يكون مثل الجنرال مشرف سندا وظهيرا في الحرب ضد ما يسمى "الإرهاب"..

المشاركة في الحرب على الإرهاب تعني مزيدا من الإعفاءات والتغاضي عن الدكتاتورية وانتهاك حقوق الإنسان.

كانت تقتضي منح تفويض جديد لحكام الطغيان للجلوس على طماح عبيد الله.. كانت أياما سوداء.

الحاكم؛ الذي كان غارقا في تجريب حق مد الصلاحية بدءا من دخول الخط على تل أبيب، مرورا بمغازلة كل القوى، وليس انتهاء ببيع نخبة أبناء البلد.. كان مستعدا للمزيد.. وكان ولد صلاحي كبش فداء الكرسي؛ الذي يعبده حاكم نواكشوط.

المفارقة أن الرجل الذي كان عملة صعبة وواحدا من كفاءات البلد، سلم للأغراب في أمجد يوم من أيام الوطن..

مع عزف النشيد الوطني قبيل إلقاء الدكتاتور خطابه بمناسبة الاستقلال؛ كان ولد صلاحي يمتطي طائرة سوف تقله إلى المحطة الأولى من مدرسة يوسفية ابتلي فيها فصبر.

بروفات الجحيم الأولى كانت في أرض عربية.. في بلد يفتخر بالنسبة إلى ذرى شرف آل البيت.. في أردن الهواشم..

ولم يقدم الموريتانيون يوما للأردن إلا الورود.. كان محمد الأمين بن مايابى من مؤسسي الدولة الأردنية.. وكان الحسين بن طلال يحب أهل موريتانيا.

لكنها قوانين العالم الاستثنائية.. وهي أرض الله غدت كلها ديار بني سعد..

قرر بوش الصغير في بيانه الأرعن الأول عقب زلزال الحادي عشر أن من لم يكن معه فهو ضده..

لا يكفي أن تدين قتل الأبرياء في برجي التجارة.. بل عليك أن تحارب وتسالم وفقا لولاء وبراء البيت الأبيض..

فهم الصغار جميعا في العالم الرسالة.. ونفذوها حرفيا.

كانت عائلة ولد صلاحي تتلقى التطمينات يوميا من الجلاد الأول؛ الذي يحتل مبنى إدارة أمن الدولة..

كان الجلاد كذابا.. في كل مرة يخبرهم أن المهندس في ظروف جيدة.. وأنه تحقيق بسيط سوف يعود بعده للمنزل.

إمعانا في الكذب والخسة كان الجلاد يستقبل منهم الملابس النظيفة والأموال التي يحتاجها ولد صلاحي في اعتقاله ويزودهم بأخرى متسخة..

لكن حبل الكذب قصير.. ويأتي الصليب الأحمر بخبر ذهب بالأسرة كل مذهب.. لقد باعوا زين الشباب.. وهو في زنزانة؛ الله أدرى بحالها في خليج الخنازير..

وأين خليج الخنازير من ملتقى العُـقـُل العـِذاب مع أرض العراء؟.. لقد غربت أيها الفتى الحسني.. ورب الكعبة..

مكث الشاب الصابر عقدا ونصف في الجب؛ بعد أن ألقاه في الغيابات من يفترض أنه الساهر على حقوقه وحاميه.

حدث الرجل؛ وهو الصدوق قارئ الكتاب بالسبع؛ عن بعض تلك المعاناة في كتاب خرج للعالم رغم الزنزانة.. رغم الجلادين الذين باعوه.. رغم خسة ودناءة ورذالة المتحكمين في الشأن العام الذي سلموه للذئاب في غوانتنامو.

خمس عشرة سنة أمضاها سليل الأولياء والعلماء والصلحاء من بني اعمر بن آش في وادي الذئاب، كان يركن فيها إلى تلاوة آي الذكر الحكيم، التي وعاها قلبه؛ وهو غض يافع.

رحلت الوالدة التي كان محمدو شفاء لدائها لو علم السجانون والجلادون.. واستقبلت الفتاة التي كانت تمني نفسها ببيت تدوم عليه السعادة.. ويعمره البنون والبنات ورقة الطلاق في رسالة حزينة حملها الصليب الأحمر.

وفوق ذلك.. لعب الزمن بدار ابن لقمان.. أطاح العسكر بالحاكم الذي باع ولد صلاحي.. وتعاقب على السلطة ثلاثة حكام بعده..

لن يتحدث ولد صلاحي عن كل ما عاناه على الأرجح.. فهو ما زال يحفظ الشعر، بدليل إنشاده بيت الحطيئة في تصريحه "المقشر" لوسائل الإعلام الرسمية..

والشعر يحض على الصبر.. ويرغب ذويه دوما في التعالي على الجراح.

اليوم يعود ولد صلاحي رجلا تجاوز الأشد.. وسنواته الخمس عشرة التي أمضى في الجحيم تعدل قرنا ونصف من حياة الرخاء تجربة وتأملا ومعرفة بالناس والزمان.

يعود ولد صلاحي، وشعره الأسود قد انسحب ليفسح المجال أمام صلعة احتلت قرابة ثلثي منابت الشعر.

يعود ولحيته الخفيفة السوداء وخطها الشيب.. وحق له؛ وهو راوية الشعر وابن بجدة إنشائه وإنشاده، أن يتمثل:

وما إن شبت عن كبر ولكن.. لقيت من الحوادث ما أشابا..

يعود.. وقد تغيرت أشياء كثيرة..

خرج الوطن من مطار.. وعاد من آخر.

سلمه مدير أمن للأغراب.. وأعاده آخر إلى ذويه.

حتما تغيرت بعده قريته الريفية التابعة لبلدية آوليكات بمقاطعة واد الناقة.. وتغير حيه البسيط في بوحديده شرق نواكشوط كثيرا.

لكن ما لم يتغير.. هو أن الموريتانيين ما زالوا على عادتهم القديمة في التطبيل والتزلف.. وهو ما سيكتشفه ولد صلاحي بدون كبير عناء.

بقلم: محمد ناجي ولد أحمدو